محمد سالم أبو عاصي

41

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

حاجته ؛ فذلك ما لا تجده على أتمّه إلا في القرآن الكريم . فهو قرآن واحد . . يراه البلغاء أو في كلام بلطائف التعبير ، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم . . لا يلتوي على أفهامهم ، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة . . فهو متعة العامة والخاصة على السواء ، ميسّر لكل من أراد : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ سورة القمر : 17 ] . إقناع العقل وإمتاع العاطفة : وفي النفس الإنسانية قوتان : قوة تفكير ، وقوة وجدان . وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها . فأما إحداهما ؛ فتنقب عن الحق لمعرفته ، وعن الخير للعمل به . وأما الأخرى ؛ فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم . والبيان التام هو الذي يوفّي لك هاتين الحاجتين ، ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين ، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا . فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس ؟ لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء ، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء . . فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوّا في جانب ، وقصورا في جانب ! فأما الحكماء . . فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك ، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك ، فتراهم حين يقدّمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوّ عن الطباع . وأما الشعراء . . فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك ، وتحريك أوتار الشعور من نفسك ، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّا أو رشدا ، وأن يكون حقيقة أو تخيلا . . فتراهم جادّين وهم هازلون . . يستبكون وإن كانوا لا يبكون ، ويطربون وإن كانوا لا يطربون ! وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ